الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

223

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

سرى إليهم الشرك واتّبعوا دين القبط ، فكانت رسالة موسى - عليه السّلام - لإصلاح اعتقادهم مع دعوة فرعون وقومه للإيمان باللّه الواحد ، وكانت آئلة إلى إخراج بني إسرائيل من الشرك والفساد وإدخالهم في حظيرة الإيمان والصلاح . والتذكير : إزالة نسيان شيء . ويستعمل في تعليم مجهول كان شأنه أن يعلم . ولما ضمن التذكير معنى الإنذار والوعظ عدّي بالباء ، أي ذكرهم تذكير عظة بأيام اللّه . و بِأَيَّامِ اللَّهِ أيام ظهور بطشه وغلبه من عصوا أمره ، وتأييده المؤمنين على عدوّهم ، فإن ذلك كله مظهر من مظاهر عزّة اللّه تعالى . وشاع إطلاق اسم اليوم مضافا إلى اسم شخص أو قبيلة على يوم انتصر فيه مسمى المضاف إليه على عدوه ، يقال : أيام تميم ، أي أيام انتصارهم ، فأيام الله أيام ظهور قدرته وإهلاكه الكافرين به ونصره أولياءه والمطيعين له . فالمراد بأيام الله هنا الأيام التي أنجى اللّه فيها بني إسرائيل من أعدائهم ونصرهم وسخر لهم أسباب الفوز والنصر وأغدق عليهم النعم في زمن موسى - عليه السّلام - ، فإن ذلك كله مما أمر موسى - عليه السّلام - بأن يذكرهموه ، وكله يصح أن يكون تفسيرا لمضمون الإرسال ، لأن إرسال موسى - عليه السّلام - ممتدّ زمنه ، وكلما أوحى اللّه إليه بتذكير في مدة حياته فهو من مضمون الإرسال الذي جاء به فهو مشمول لتفسير الإرسال . فقول موسى - عليه السّلام - يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ * يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ سورة المائدة : 20 ، 21 ] هو من التذكير المفسّر به إرسال موسى - عليه السّلام - . وهو وإن كان واقعا بعد ابتداء رسالته بأربعين سنة فما هو إلا تذكير صادر في زمن رسالته ، وهو من التذكير بأيام نعم اللّه العظيمة التي أعطاهم ، وما كانوا يحصلونها لولا نصر اللّه إياهم ، وعنايته بهم ليعلموا أنه ربّ ضعيف غلب قويا ونجا بضعفه ما لم ينج مثله القوي في قوته . واسم الإشارة في قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ عائد إلى ما ذكر من الإخراج والتذكير ، فالإخراج من الظلمات بعد توغلهم فيها وانقضاء الأزمنة الطويلة عليها آية من آيات قدرة اللّه تعالى . والتذكير بأيام اللّه يشتمل على آيات قدرة اللّه وعزته وتأييد من أطاعه ، وكل ذلك